النويري

7

نهاية الأرب في فنون الأدب

ومن الناس من استعمل الفصاحة والبلاغة بمعنى واحد في الألفاظ والمعاني والأكثرون عليه . ذكر صفة البلاغة قيل لعمرو بن عبيد : ما البلاغة ؟ قال : ما بلَّغك الجنّة ، وعدل بك عن النار ؛ قال السائل « 1 » : ليس هذا أريد ؛ قال : فما بصّرك مواقع رشدك وعواقب غيّك ؛ قال : ليس هذا أريد ؛ قال : من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع ، ومن لم يحسن أن يسمع لم يحسن أن يسأل ، ومن لم يحسن أن يسأل لم يحسن أن يقول ؛ قال : ليس هذا أريد ؛ قال : قال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم : « إنّا « 2 » معشر النبيّين بكاء » - أي قليلوا الكلام ، وهو جمع بكىء - وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله ؛ قال السائل : ليس هذا أريد ؛ قال : فكأنك تريد تخيّر اللفظ في حسن إفهام ؛ قال : نعم ؛ قال : إنّك إن أردت تقرير حجّة اللَّه في عقول المتكلمين ، وتخفيف المؤونة على المستمعين ، وتزيين المعاني في قلوب المستفهمين بالألفاظ الحسنة رغبة في سرعة استجابتهم ، ونفى الشّواغل عن قلوبهم بالمواعظ الناطقة عن الكتاب والسّنة كنت قد أوتيت فصل الخطاب . وقيل لبعضهم : ما البلاغة ؟ قال : معرفة الوصل من الفصل . وقيل لآخر : ما البلاغة ؟ قال : ألَّا يؤتى القائل من سوء فهم السامع ، ولا يؤتى السامع من سوء بيان القائل .

--> « 1 » هو حفص بن سالم كما في زهر الآداب . ج 1 ص 94 ط المطبعة الرحمانية . « 2 » كذا في الأصل . ولم نقف على هذه الرواية فيما لدينا من كتب الحديث ولا غيرها ، ونصه في كتاب النهاية لابن الأثير « نحن معاشر الأنبياء فينا بكاء » وقال في تفسير البكاء بفتح الباء : أي قلة الكلام إلا فيما يحتاج اليه ، يقال : بكأت الناقة والشاة إذا قل لبنها فهي بكىء وبكيئة .